جلال الدين السيوطي
347
الدر المنثور في التفسير بالمأثور
حيث لم يحتسبوا واراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمر عجبا أورثهم كمدا وغما ثم انصرفوا بغيظ شديد وأقبل عيسى والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة فإذا عليها منديل مغطى قال عيسى من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة أوثقنا بنسفه وأحسننا بلاء عند ربه فليكشف عن هذه الآية حتى نراها ونحمد ربنا ونذكر باسمه ونأكل من رزقه الذي رزقنا فقال الحواريون يا روح الله وكلمته أنت أولانا بذلك وأحقنا بالكشف عنها فقام عيسى فاستأنف وضوءا جديدا ثم دخل مصلاه فصلى بذلك ركعات ثم بكى طويلا ودعا الله ان يأذن له في الكشف عنها ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقا ثم انصرف وجلس إلى السفرة وتناول المنديل وقال بسم الله خير الرازقين وكشف عن السفرة وإذا هو عليها سمكة ضخمة مشوية ليس عليها بواسير وليس في جوفها شوك يسيل منه السمن سيلا قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث وعند رأسها خل وعند ذنبها ملح وحول البقول خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الآخر تمرات وعلى الآخر خمس رمانات فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى يا روح الله وكلمته أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة فقال اما آن لكم ان تعتبروا بما ترون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل ما أخوفني عليكم ان تعاقبوا في سبب هذه الآية فقال شمعون لا وإله إسرائيل ما أردت بها سوأ يا ابن الصديقة فقال عيسى ليس شئ مما ترون عليها من طعام الجنة ولا من طعام الدنيا انما هو شئ ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالية القاهرة فقال له كن فكان أسرع من طرفة عين فكلوا مما سألتم بسم الله واحمدوا عليه ربكم يمدكم منه ويزدكم فإنه بديع قادر شاكر فقالوا يا روح الله وكلمته ان نحب ان ترينا آية في هذه الآية فقال عيسى سبحان الله أما اكتفيتم بما رأيتم من هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى ثم أقبل عيسى على السمكة فقال يا سمكة عودي بإذن الله حية كما كنت فأحياها الله بقدرته فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية تلمظ كما يتلمظ الأسد تدور عيناها لها بصيص وعادت عليها بواسيرها ففزع القوم منها وانحاسوا فلما رأى عيسى ذلك منهم فقال مالكم تسألون الآية فإذا أراكموها ربكم كرهتموها ما أخوفني عليكم ان تعاقبوا بم تصنعون يا سمكة عودي بإذن الله كما كنت فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول فقالوا لعيسى كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالاكل منها ثم نحن بعد فقال معاذ الله من ذلك يبدأ بالاكل من طلبها فلما رأى الحواريون وأصحابهم امتناع نبيهم منها خافوا ان يكون نزولها سخطة وفى أكلها مثلة فتحاموها فلما رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراء والزمني وقال كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم واحمدوا الله الذي أنزلها لكم يكون مهناها لكم وعقوبتها على غيركم وافتحوا كلكم بسم الله واختتموه بحمد الله ففعلوا فاكل منها ألف وثلاثمائة انسان بين رجل وامرأة يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئة إذ نزلت من السماء لم ينتقص منه شئ ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون فاستغنى كل فقير أكل منها وبرئ كل زمن منهم أكل منها فلم يزالوا أغنياء صحاحا حتى خرجوا من الدنيا وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا ان يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات قال فكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنو إسرائيل إليها من كل مكان يسعون يزاحم بعضهم بعضا الأغنياء والفقراء والنساء والصغار والكبار والأصحاء والمرضى يركب بعضهم بعضا فلما رأى عيسى ذلك جعلها نوبا بينهم فكانت تنزل يوما ولا تنزل يوما فلبثوا في ذلك أربعين يوما تنزل عليهم غبا عند ارتفاع الضحى فلا تزال موضوعة يؤكل منها حتى إذا قالوا ارتفعت عنهم بإذن الله إلى جو السماء وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم فأوحى الله إلى عيسى أن اجعل رزقي في المائدة لليتامى والفقراء والزمني دون الأغنياء من الناس فلما فعل الله ذلك ارتاب بها الأغنياء وغمصوا ذلك حتى شكوا فيها في أنفسهم وشككوا فيها الناس وإذا عوافي أمرها القبيح والمنكر وأدرك الشيطان منهم حاجته وقذف وسواسه في قلوب المرتابين حتى قالوا لعيسى أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء حق فإنه قد ارتاب بها بشر منا كثير قال عيسى كذبتم وإله المسيح طلبتم المائدة إلى نبيكم ان يطلبها إلى ربكم فلما ان فعل وأنزلها الله عليكم رحمة ورزقا وأراكم فيها الآيات والعبر كذبتم بها وشككتم فيها فأبشروا بالعذاب فإنه نازل بكم الا ان يرحمكم الله وأوحى الله إلى عيسى انى